القرطبي
87
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فيه خمس مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ) قال مقاتل : نزلت في عثمان بن مظعون ، وذلك أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أذنت لي فطلقت خولة ، وترهبت واختصيت وحرمت اللحم ، ولا أنام بليل أبدا ، ولا أفطر بنهار أبدا ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن من سنتي النكاح ولا رهبانية في الاسلام إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله وخصاء أمتي الصوم ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . ومن سنتي أنام وأقوم وأفطر وأصوم فمن رغب عن سنتي فليس منى ) . فقال عثمان : والله لوددت يا نبي الله أي التجارات أحب إلى الله فأتجر فيها ، فنزلت . وقيل : " أدلكم " أي سأدلكم . والتجارة الجهاد ، قال الله تعالى : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم " [ التوبة : 111 ] الآية . ( 1 ) وهذا خطاب لجميع المؤمنين . وقيل : لأهل الكتاب . الثانية - قوله تعالى : ( تنجيكم ) أي تخلصكم ( من عذاب أليم ) أي مؤلم . وقد تقدم ( 2 ) . وقراءة العامة " تنجيكم " بإسكان النون من الانجاء . وقرأ الحسن وابن عامر أبو حياة " تنجيكم " مشددا من التنجية . ثم بين التجارة وهي المسألة : الثالثة - فقال : ( تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) ذكر الأموال أولا لأنها التي يبدأ بها في الانفاق . ( ذلكم ) أي هذا الفعل ( خير لكم ) من أموالكم وأنفسكم ( إن كنتم تعلمون ) . و " تؤمنون " عند المبرد والزجاج في معنى آمنوا ، ولذلك جاء " يغفر لكم " مجزوما على أنه جواب الامر . وفي قراءة عبد الله " آمنوا بالله " وقال الفراء " يغفر لكم " جواب الاستفهام ، وهذا إنما يصح على الحمل على المعنى ، وذلك أن يكون " تؤمنون بالله ، وتجاهدون " عطف بيان على قوله : " هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم " كأن التجارة لم يدر ما هي ، فبينت بالايمان والجهاد ، فهي هما في المعنى . فكأنه قال : هل تؤمنون بالله وتجاهدون يغفر لكم . الزمخشري : وجه قول الفراء أن متعلق الدلالة
--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 267 . ( 2 ) راجع ج 1 ص 198